تفسير الإمام محمد بن عبدالوهاب [الدرس الرابع عشر] - 1433هـ

Arabic
الكتاب: 
تفسير آيات القران الكريم
الشيخ: 
صالح بن فوزان الفوزان

متن الدرس:
فالله سبحانه قد علم ما يحدث في خلقه إلى يوم القيامة، ومع هذا أمر بطاعة رسوله الذي أقررتم به وأنتم تشهدون أنه قاله.
فإذا بان لك أن الأولى، في الأمر بالإخلاص والنهي عن الشرك، وأن الثانية في الأمر بلزوم السنة والنهي عن البدعة، بان لك أن هذا هو تقرير القاعدتين اللتين عليهما مدار الدين، وهما: لا يعبد إلا الله، والثانية: لا يعبد إلا بما شرع.
فالأولى: قوله: "إنما الأعمال بالنيات"، والثانية قوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". فإن كان المحاج لا يقر ببعض ذلك، بل أنكر شيئا من تفاصيل ما ذكرنا، فهي المسألة الرابعة وهو قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ}[ سورة البقرة آية: 140]. فإن كان هذا في الكاتم مع المحبة وتمنى ظهوره، ولكن أحب الدنيا عليه، فكيف بالكاتم المبغض؟ فإن كان يدعي أنه لم يفعل ذلك وأنه تابع لهذا الحق لكنه يكتم إيمانه كمؤمن آل فرعون مع معرفتك أنه كاذب، فهي المسألة الخامسة، وهي أن تقول له: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[ سورة البقرة آية: 74]. فإن أقر بهذا كله ولكنه استروح إلى أنه من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنهم جيرانه أو غير ذلك من الأسباب، مثل مدحه الإمام الذي ينتسب إليه، أو أصحابه فهي المسألة السادسة وهي قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة البقرة آية: 134].
وقال: ذكر بعض ما في قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} إلى قوله: {يَعْمَلُونَ}[سورة البقرة آية: 139] من بيان الحق وإبطال الباطل.
الأولى: إذا كانت المحاجة في الله سبحانه من أقرب ما يكون إليه من المختلفين في مسألة التوحيد، وبيان ذلك بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه، ومعرفة حالنا وحالكم في المسألة، وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم في العبودية، بخلاف ملوك الدنيا، فإن بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها، ونحن مجمعون أيضا أنه لا يظلم أحدا من عبيده بل كل نفس {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سورة البقرة آية: 286] بخلاف ملوك الدنيا فإنهم يأخذون مال هذا ويعطونه هذا; فإذا كان الأمر كذلك فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا، ونحن له مخلصون وأنتم به مشركون؟ وكيف يظن به أنه يساوي بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم خصوصا إذا كان كريما، أن من قصده وضاف عنده يكرهه ولا يضيفه، ويخص بالرضى والكرامة والضيافة من أعرض عنه وأضاف عند غيره، مع استواء الجميع في القرب منه والبعد; هذا لا يظن في الآدمي فكيف يظن برب العالمين، فتبين بقضية العقل أن ما جاءت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل، فيا لها من حجة ما أعظمها وأبينها، لكن لمن فهمها كما ينبغي.