تفسير الإمام محمد بن عبدالوهاب [الدرس الثالث عشر] - 1433هـ

Arabic
الكتاب: 
تفسير آيات القران الكريم
الشيخ: 
صالح بن فوزان الفوزان

متن الدرس:
وأما الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) [سورة البقرة آية: 139] ففيها مسائل:
الأولى: أمر الله لنا أن نحاجهم بهذه الحجة القاطعة: فإذا كان الله رب الجميع، وأيضا أنه بإقراركم ( أنه ) عدل لا يظلم بل كل عامل فعمله له، وافترقنا في كوننا قاصدينه مخلصين له الدين وأنتم قصدتم غيره; فكيف يساوي بيننا وبينكم أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل.
الثانية: أن الخصوم محاجتهم في الله لا في غيره مع فعلهم هذا في هذه الخصومة.
وأما الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [سورة البقرة آية: 140] ففيها مسائل:
الأولى: إن كانت الخصومة في الصالحين ودعواهم أنهم على طريقهم، فهم لا يقدرون أن يدعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على طريقتهم; بل يصرحون أنهم على غيرها ولكن يعتذرون أنهم لا يقدرون عليها، فكيف هذا التناقض؟ يدعون أنهم تابعوهم مع تحريمهم اتباعهم، وزعمهم أن أحدا لا يقدر عليها!.
الثانية: قوله: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} فهذه لا يقدر أحد أن يعارضها، فإذا سلمها وسلم لك أن العلم الذي أنزله الله ليس هو لعدم القدرة فهذا الذي عليه غيره، وهذا إلزام لا محيد عنه.
الثالثة: أن منهم من يعرف الحق ويكتمه خوفا من الناس مع كونه لا ينكره، فلا أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، فكيف بمن جمع مع الكتمان دفعها وسبها وتكفير من آمن بها؟
الرابعة: الوعيد بقوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[ سورة البقرة آية: 74]. والله أعلم.
وقال أيضا رحمه الله تعالى: وأما قوله: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ} الآية [سورة البقرة آية: 140]، فهذه حجة أخرى، وبيانها أنا إذا أجمعنا على الإمام والأئمة أنهم ومن اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فهذه أيضا مثل التي قبلها. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة بعدهم قد أجمعنا أنهم ومن اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فنقول: هذه المسألة التي اختلفنا وإياكم فيها هل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على قولنا أو على قولكم؟ فإذا أقروا أن دعاء أهل القبور والبناء عليها وجعل الأوقاف والسدنة عليها من دين الجاهلية، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك كله، وهدم البناء الذي جعلته الجاهلية على القبور، ونهى عن دعاء الصالحين وعن التعلق عليهم، وأمر بإخلاص الدعوة لله، وأمر بإخلاص الاستعانة لله; وبلغنا عن الله أنه يقول: {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [سور الجن: الآية 18]
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وأتباعهم، والأئمة وأصحابهم على ذلك; ولم يحدث هذا إلا بعد ذلك، أعني دعاء غير الله والبناء على القبور، وما يتبع ذلك من المنكرات; فكيف تقرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة من بعدهم على ما نحن عليه، ثم تنكرونه أعظم من إنكار دين اليهود والنصارى مع إقراركم أنه الدين الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة؟ أم كيف تنصرون الشرك وما يتبعه، وتبذلون في نصره النفس والمال مع إقراركم أنه دين الجاهلية المشركين؟ هذا هو الشيء العجاب، لا جعل الآلهة إلها واحدا، يا أعداء الله لو كنتم تعقلون!! وليس هذا في هذه المسألة وحدها بل كل مسألة اختلفنا وإياهم فيها، وأقروا أن ما نحن عليه هو الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه; فهذه الخصومة فيها واقعة فاصلة لها.
فإن أقروا بذلك، ولكن زعموا أن الناس أحدثوا أمورا تقتضي حسن ما هم عليه، كقولهم: هذه بدعة حسنة فيها من المصالح كذا وكذا; وفي تركها من المفاسد كذا وكذا، فيجاوبون بالمسألة الثالثة، وهي قوله: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقراركم أوصانا بقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"، فقد أقررتم أنه أمر بلزوم ما أمرتم بتركه، وأنه نهى عما أمرتم بفعله; مع إقراركم أنه أوصى بهذه الوصية عند وقوع الاختلاف في أمته، مع إقراركم أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى،